الشيخ الطوسي
410
العدة في أصول الفقه ( عدة الأصول ) ( ط . ج )
وثانيها : ما يفهم المراد بفحواه لا بصريحه ، وذلك نحو قوله : ولا تَقُلْ لهما أُفٍ ولا تَنْهَرهُما ( 1 ) فإنّ فحواه يدلّ على المنع من أذاهما على كلّ وجه . وكذلك قوله : ولا يُظْلَمُونَ فتيلاً ( 2 ) ، لأنّه يقتضي فحواه نفي الظَّلم لهم بذلك وما زاد عليه . وفي الفقهاء من ألحق هذا الوجه بالقياس ، وزعم أنّ جميع ذلك يفهم بضرب من الاعتبار [ 1 ] ، وذلك خطأ ، لأنّ دلالة ما قدّمناه من الألفاظ على ما قلناه أقوى من دلالة النّص ، لأنّ السّامع لا يحتاج في معرفة المراد به إلى تأمّل ، فهو إذا كالأوّل . والَّذي يكشف عمّا قلناه : أنّه لو قال : ( ولا تقل لهما أف واضربهما ، أو اقتلهما ، أو اصفقهما ) يعدّ بذلك مناقضا ، وكذلك لو قال رجل لغيره : ( أنا لا أعطيك حبّة ) ثمّ قال : ( لكنّي أعطيك الدّراهم وأخلع عليك ) كان ذلك مناقضة ظاهرة . ولو أنّ قائلا قال : ( فلانا يؤتمن على قنطار ) ثمّ قال : ( ويخون ( 3 ) فيما قدر دانق ) كان ذلك مناقضة ، فعلم بجميع ذلك صحّة ما قلناه . إلَّا أنّه ربّما كان بعضه أخفى ( 4 ) من بعض ، وبعضه أظهر من بعض ، حتّى يظنّ فيما ليس منه إنّه منه ، وفيما هو منه أنّه ليس منه ، ولأجل ذلك اعتقد أكثر الفقهاء في قوله تعالى : فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَريضاً أو عَلى سَفَرٍ فَعِدّة مِنْ أيّامٍ أُخَر ( 5 ) فقال : إنّه يعقل منه فأفطر فعدّة من أيّام آخر .
--> ( 1 ) الإسراء : 23 . . ( 2 ) الإسراء : 71 . . ( 3 ) في الأصل : يجوز . . ( 4 ) في الأصل : أجلى . . ( 5 ) البقرة : 184 . . [ 1 ] وهو مذهب الشّافعي وبعض أتباعه ، كما نسبه إليه أبو إسحاق الشّيرازي في شرحه على اللَّمع 1 : 424 ، ( انظر أيضا ، التبصرة : 227 ) ، وقال : إنّ الشّافعي سمّى هذا النوع من المفهوم في الخطاب بالقياس الجليّ .